يمرّ البيتكوين في هذه المرحلة بواحدة من أكثر الفترات تعقيدًا من حيث القراءة والتحليل، ليس بسبب حركة سعرية حادة، بل بسبب غياب الإشارة الواضحة. هذا النوع من الأسواق يُربك شريحة كبيرة من المتداولين، لأنه لا يكافئ السرعة ولا يعاقب التردد فورًا، بل يخلق حالة طويلة من الترقب النفسي والاستنزاف الذهني.
بعد موجة البيع التي شهدها السوق نهاية الأسبوع الماضي، عاد السعر ليُظهر قدرًا من التماسك النسبي. هذا التماسك لا يمكن اعتباره صعودًا مؤكدًا، لكنه في الوقت نفسه لا يحمل سمات الانهيار. السوق هنا لا “ينهار” ولا “ينطلق”، بل يعيد ترتيب نفسه. وهذه نقطة جوهرية في فهم المرحلة الحالية.
من الناحية الهيكلية، يمكن ملاحظة أن البيتكوين يحاول بناء نطاق دعم أعلى من القيعان الأخيرة. هذا السلوك غالبًا ما يظهر عندما تبدأ قوى البيع بفقدان زخمها تدريجيًا، لكن دون أن تقابلها شهية شراء قوية كافية لفرض اتجاه صاعد. بعبارة أخرى، البائعون تعبوا، لكن المشترين لم يقتنعوا بعد.
عند النظر إلى الأحجام، نلاحظ أنها أقل من المتوسط مقارنة بمراحل الاتجاه الواضح. هذا الانخفاض في الأحجام لا يجب تفسيره كضعف بحت، بل كعلامة على انتظار السيولة الذكية. الأموال الكبيرة لا تدخل عادة في لحظات الضجيج، بل تفضّل العمل خلال فترات الهدوء، حيث يكون السعر أقل حساسية للحركات المفاجئة.
من زاوية السيولة، يظهر سلوك واضح يتمثل في امتصاص الحركات القصيرة. أي ارتفاع مفاجئ يقابل بجني أرباح سريع، وأي انخفاض يُقابل بشراء محدود يمنع الانزلاق الحاد. هذا النوع من التفاعل يدل على أن هناك أطرافًا نشطة على جانبي السوق، لكن دون رغبة في كسر التوازن الحالي. وهذا ما يجعل الحركة بطيئة، لكنها ليست بلا معنى.
العامل النفسي هنا لا يقل أهمية عن التحليل الفني. كثير من المتداولين يشعرون بأن السوق “لا يتحرك”، وهذا الإحساس بالملل يدفعهم غالبًا إلى اتخاذ قرارات غير محسوبة: الإفراط في التداول، تغيير الاستراتيجية، أو الدخول في صفقات عالية المخاطرة بحثًا عن أي حركة. تاريخيًا، هذه السلوكيات هي ما تستفيد منه الأسواق قبل التحركات الكبرى.
من منظور أوسع، لا يمكن فصل حركة البيتكوين عن البيئة الاقتصادية العالمية. استمرار الضبابية الاقتصادية، وتذبذب التوقعات حول السياسات المالية، يؤثر بشكل مباشر على شهية المخاطرة. البيتكوين، رغم تطوره كأصل مستقل نسبيًا، ما زال يتأثر بمزاج الأسواق العالمية، خصوصًا عندما تكون الرؤية غير واضحة.
ما يميز هذه المرحلة تحديدًا هو أنها مرحلة اختبار للانضباط أكثر من كونها مرحلة اختبار للاتجاه. السوق لا يطلب منك أن تتنبأ بالحركة القادمة، بل أن تُدير مخاطرك وتُحافظ على هدوئك. من يحاول فرض توقعه على السوق غالبًا ما يدفع ثمن ذلك نفسيًا وماليًا.
السيناريوهات المحتملة من منظور احترافي تنقسم إلى مسارين رئيسيين. الأول هو استمرار التماسك لفترة أطول بهدف استكمال عملية الاستنزاف النفسي وإخراج المتداولين غير الصبورين. الثاني هو كسر هذا التماسك بحركة مفاجئة مدفوعة بزخم خارجي أو تغيّر واضح في التدفقات. في كلا الحالتين، تكون الحركة الأولى غالبًا مضللة قبل أن يتضح الاتجاه الحقيقي.
الخطأ الشائع في هذه المرحلة هو الاعتقاد بأن “عدم الحركة يعني عدم الفرصة”. في الواقع، هذه الفترات هي التي تُبنى فيها أفضل القرارات، لأن المخاطرة يمكن قياسها، ولأن السعر لا يبتعد بسرعة عن مناطق التقييم العادل. لكن هذا يتطلب صبرًا وانضباطًا، لا استعجالًا.
الخلاصة أن البيتكوين اليوم لا يرسل رسالة صعود ولا رسالة انهيار، بل رسالة واحدة فقط: السوق لم يقرر بعد. هذه المراحل لا تُكافئ العاطفة، بل تُكافئ الفهم. من يتعامل معها بهدوء يكون مستعدًا للحركة القادمة، أيًّا كان اتجاهها. ومن يتعامل معها بعجلة، قد يجد نفسه خارج السوق في اللحظة التي تبدأ فيها المرحلة الحاسمة.
